مقالة عن الرق فى الاسلام..لماذا لم يحرر الاسلام الرقيق كاملا

مقالة عن الرق فى الاسلام..لماذا لم يحرر الاسلام الرقيق كاملا

مقالة عن الرق فى الاسلام..لماذا لم يحرر الاسلام الرقيق كاملامقالة عن الرق فى الاسلام..لماذا لم يحرر الاسلام الرقيق كاملا , جاء الإسلام ، و الرّقّ نظام معترف به في جميع أنحاء العالم ، بل كان عملةً اقتصاديّة و اجتماعيّة متداولة

، لا يستنكرها أحد ، و لا يفكّر في إمكان تغييرها أحد . لذلك كان تغيير هذا النظام أو محوه أمراً يحتاج إلى تدّرج

شديد و زمن طويل . و قد احتاج إبطال الخمر

إلى بضع سنوات . و الخمر عادة شخصيّة قبل كلّ شيء ،

و أن كانت ذات مظاهر اجتماعيّة ، و كان بعض العرب أنفسهم

في الجاهليّة يتعفَّفون عنها ، و يرون فيها شرّاً لا

يليق بذوي النفوس العالية . و الرّقّ كان أعمق في كيان

المجتمع و نفوس الأفراد ، لاشتماله على عوامل شخصيّة

و اجتماعية و الاقتصاديّة . ولم يكن أحد يستنكره كما أسلفنا

. لذلك كان إبطاله في حاجة إلى زمن أطول ممّا تتَّسع

له حياة الرسول ، و هي الفترة التي كان ينزل فيها الوحي

بالتنظيم و التشريع . فلو كان الله يعلم أنّ إبطال الخمر

يكفي فيه إصدار تشريع ينفَّذ لساعته ، لما حرّمها في بضع سنوات . و لو كان يعلم أنّ إبطال الرّقّ يكفي له مجرّد

إصدار ( مرسوم ) بإلغائه ، لما كان هناك سبب لتأخّر هذا المرسوم !

كان الرقيق في عرف الرومان ـ و هم الأصل في استرقاق الأناسي ـ يُعدّ ( شيئاً ) لا ( بشراً ) ( شخصاً إنسانيّاً )!

شيئاً لا حقوق له البتّة ـ كالبهائم و الأمتعة ـ و إن كان عليه كلُّ ثقيلٍ من الواجبات .

و لنعلم أولاً : من أين كان يأتي هذا الرقيق ؟ كان يأتي من طريق الغزو و النهب و الأسر، ولم يكن الغزو لفكرة

و لا لمبدأ ، و إنّما كان سببه الوحيد شهوة الاستيلاء و الاستثمار و استعباد الآخرين و تسخيرهم لمصلحة المترفين .

فلكي يعيش الروماني عيشة البذخ و الترف ، يَسْتمتع بالحمّامات الباردة و الساخنة ، و الثياب الفاخرة ، و أطائب

الطعام من كلّ لون ، و يغرق في المتاع الفاجر من خمر و نساء و رقص و حفلات و مهرجانات ، كان لا بدّ لكلّ هذا

من استعباد الروماني ، و كان الرّقّ الذي نشأ من ذلك الاستعمار .

أمّا الرقيق فقد كانوا ـ كما ذكرنا ـ أشياء ليس لها كيان البشر و لا حقوق البشر . كانوا يعملون في الحقول و هم

مصفَّدون في الأغلال الثقيلة التي تكفي لمنعهم من الفرار ، ولم يكونوا يُطعمون إلاّ إبقاءً على وجودهم ليعملوا ،

لا لأنّ من حقّهم ـ حتّى كالبهائم و الأشجار ـ أن يأخذوا حاجتهم من الغذاء . و كانوا ـ في أثناء العمل ـ يساقون

بالسوط ، لغير شيء إلاّ اللذّة الفاجرة التي يحسبها السيّد أو وكيله في تعذيب المخلوقات . ثُمَّ كانوا ينامون في

( زنزانات ) مظلمة كريهة الرائحة تعيث فيها الحشرات و الفئران ، فيلقون فيها عشرات عشرات قد يبلغون خمسين

في الزنزالة الواحدة ـ بأصفادهم ـ فلا يتاح لهم حتّى الفراغ الذي يتاح بين بقرة في حظيرة الحيوانات .

ذلك كان الرقيق في العالم الروماني . و لا نحتاج أن نقول شيئاً عن الوضع القانوني للرقيق عندئذٍ ، و عن حق

السيّد المطلق في قتله و تعذيبه و استغلاله دون أن يكون له حقّ الشكوى ، و دون أن تكون هناك جهة تنظر في

هذه الشكوى أو تعترف بها فذلك لغو بعد كلّ الذي سردناه .

ولم تكن معاملة الرقيق في فارس و الهند و غيرها ، تختلف كثيراً عمّا ذكرنا من حيث إهدار إنسانيّة الرقيق إهداراً

كاملاً ، و تحميله بأثقل الواجبات دون إعطائه حقّاً مقابلها ، و إن كانت تختلف فيما بينها ( الرومان و الفرس و الهند )

قليلاً أو كثيراً في مدى قسوتها و بشاعتها .

و إذا كان هذا شأن الرقيق في بلاد متحضّرة ، فكيف يا ترى شأنه في أوساط متأخّرة ، في مثل الجزيرة المتوغّلة في جهالة العماء و الغيّ و الفساد . كان يعيش أحدهم على حساب دمار الآخرين و كان ذلك مفخراً لهم . يقول أحدهم :
أبحنا حيّهم قتلاً و أسراً *** عدى الشمطاء و الطفل الصغير!
و كفى لشناعة حالتهم الاجتماعيّة ، وأد البنات 1 .

 قتل الأولاد مخافة الإملاق ، 2 .

و أشنع من الجميع : التعيّش على حساب بغاء الفتيات 3 .
ففي مثل هذا المجتمع الذي يعيش الأسياد على حساب

إكراه الفتيات ( الأرقّاء ) على البغاء و ارتكاب الفحشاء ، جاء الإسلام ليكافح ، فمن أين يكافح ، وكيف يكافح ؟
جاء الإسلام ليردّ لهؤلاء البشر إنسانيّتهم المغتصبة منذ عهد سحيق !
جاء ليقول للسّادة عن الرقيق : أنتم و هو سواء ﴿ … بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ … ﴾ 4 5. و قال يوم الفتح بمكّة : أيّها النّاس ،

إنّ الله قد أذهب عنكم عُبْيَةَ الجاهليّة 6 . و تعظمها بآبائها . فالناس رجلان : بَرٌّ تقيٌّ ، كريم على الله . و فاجر شقيٌّ

، هيّن على الله . و الناسُ بنو آدم ، و خَلَق الله آدم من تراب . قال الله : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى

وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ … ﴾ 7 8 .

و معنى ذلك أنّ الناس كلّهم ـ الأسياد و العبيد ـ إخوة من ولد أبٍ واحد و أُمّ واحدة . و لا فضل فيمن أصله من تراب

إلاّ بالأحساب .
جاء في رسالة الحقوق التي بعثها الإمام زين العابدين ( عليه السَّلام ) إلى بعض أصحابه : ” و أمّا حقّ مملوكك فأن تعلم أنّه خلق ربّك و ابن أبيك و أُمّك و لحمك و دمك . . . ” 9 .
و في ذلك فرض الأخوة ـ الأصيلة ـ بين السيّد و عبده المملوك له . الأمر الذي لم يكن يطيقه منطق البشريّة آنذاك ، لكن الإسلام فرضه فرض حتم .
جاء في مسائل على بن جعفر عن أخيه موسى ( عليه السَّلام ) : الرجل يقول لمملوكه : يا أخي و يا ابني ،

أيصلح ذلك ؟

قال ( عليه السَّلام ) : ” لا بأس “10 . أي لا حزازة بعد فرض المساواة في أصل النسب !

و زيادة في رعاية مشاعر الرقيق الرسول الكريم : ” لايقل أحدكم : هذا عبدي و هذه أمتي ، و ليقل : فتاي و فتاتي

” 11 . و على ذلك يستند أبو هريرة فيقول لرجل ركب و خَلْفه عبدهُ يجري : ” احمله خلفك ، فإنّه أخوك و روحه مثل

روحك ” 12 .

و قد فرض الإسلام على السّادة أن يساووا بين أنفسهم و العبيد من غير أن يتفاضلوا عليهم .

قال المعرور بن سويد الأسدي الكوفي ـ من كبار التابعين ـ : دخلنا على أبي ذرّ بالرَّبَذة ، فإذا عليه برد ،

و على غلامه مثله . فقلنا : لو أخذت برد غلامك إلى بردك ، كانت حُلّة ، و كسوته ثوباً غيره ! قال : سمعت رسول

الله ( صلى الله عليه و آله ) يقول : ” إخوانكم ، جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده ، فليطعمه ممّا

يأكل ، و ليكسه ممّا يلبس ، و لا يكلّفه ما يغلبه ، فإن كّلفه ما يغلبه فليُعِنه ” 13 .

و روى إبراهيم بن محمّد الثقفي في كتاب الغارات بإسناده إلى مختار التمّار قال : أتى أمير المؤمنين ( عليه السَّلام ) سوق الكرابيس ، فاشترى ثوبين أحدهما بثلاثة دراهم ، و الآخر بدرهمين . فقال : يا قنبر ، خذ الذي بثلاثة ! قال : أنت أولى به يا أمير المؤمنين ، تصعد المنبر و تخطب الناس . فقال : يا قنبر ، أنت شابّ و لك شره الشباب ، و أنا أستحيي من ربّي أن أتفضّل عليك ، لأنّي سمعت رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) يقول : ألبسوهم ممّا تلبسون ، و أطعموهم ممّأ تأكلون 14 .
وكان من مكارم أخلاقه ( صلى الله عليه و آله ) الأكل مع العبيد ، و ليكون سنّة من بعده ، أي التنازل مع الأرقّاء ، لغرض الترفيع بهم .15 و كان يجيب دعوة المملوك على خبز الشعير ، و لا يترفّع عليه 16 .
وفي كتاب الإمام أمير المؤمنين ( عليه السَّلام ) إلى ابنه الحسن : ” و أحسن للمماليك الأدب . . . ” 17 .
و هكذا كان يفعل ذرّيّته الأطياب : كان الإمام علي بن موسى الرضا

( عليه السَّلام ) إذا خلا جمع حشمه كلّهم الصغير و الكبير فيحدّثهم

و يأنس بهم و يُؤنسهم . و كان إذا جلس على المائدة

لا يدع صغيراً و لا كبيراً حتّى السائس و الحجّام إلاّ أقعده معه على مائدته 18 .
و في حديث آخر : كان إذا خلا و نصبت مائدته ، أجلس

معه على مائدته مماليكه و مواليه ، حتّى البواب و السائس 19 .
و من هنالك لم يعد الرقيق شيئاً ـ

كما حسبه الرومان ـ

و إنّما صار بشراً له

روح كروح السّادة ،

و قد رفعه الإسلام إلى مستوى الأخوة الكريمة ،

لا في عالم المثال و الأحلام فحسب ، بل في عالم الواقع كذلك .
***
و كان ( صلى الله عليه و آله ) يشدّد النكير على من أساء بعبده و يؤكّد على وجوب الرفق معهم . قال رسول الله : ألا اُنبّئكم بشرّ الناس : من سافر وحده . و منع رفده . و ضرب عبده 20 .
قال أبو مسعود الأنصارى : كمن أضرب غلاماً ، فسمّعني من خلفي صوتاً : ” إعلم أبا مسعود ، إعلم أبا مسعود ، إنّ الله أقدر عليك منك عليه ” .
فالتفتُّ فإذا هو النبي ( صلى الله عليه و آله ) ، فقلت : يا رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) هو حرٌّ لوجه الله .
فقال : ” أما لولم تفعل لَلَفَعَتْكَ النارُ ” 21 .
قال الصادق ( عليه السَّلام ) : ” من افترى على مملوك عزّر ، لحرمة الإسلام ” 22 .
و روى قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب ، قال :

قال رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) : “

من قتل عبده قتلناه ، و من جدع عبده جدعناه ، و من أخصى عبده أخصيناه ” 23 .
و روى الشيخ بإسناده الصحيح إلى السكوني

عن الصادق عن آبائه عن علي ( عليه السَّلام ) أنّه قتل حرّاً بعبدٍ قَتَله عمداً 24 .
و روى أنّ علي بن الحسين ( عليه السَّلام )

ضرب مملوكاً ثمَّ دَخَل إلى منزله فأخرج السوط ،

ثمَّ تجرّد له ، قال : اجلد علي بن الحسين فأبى ، فأعطاه خمسين ديناراً 25 .
و بذلك قد أصبح الرقيق كائناً إنسانيّاً له كرامة يحميها القانون ،

و لا يجوز الاعتداء عليها بالقول و لا بالفعل . فأمّا القول فقد نهى الرسول ، السّادة عن تذكير أرقّائهم بأنهم أرقّاء و أمرهم أن يخاطبوهم بما يشعرهم بمودّة الأهل ، و ينفي عنهم صفة العبوديّة ، و قال لهم في معرض هذا التوجيه : إنّ الله ملّككم إيّاهم ، ولو شاء لملّكهم إيّاكم ” 26 . فهي إذن مجرّد سادة!

و بذلك يغضّ من كبرياء هؤلاء ، و يردّهم إلى

الآصرة البشريّة التي تربطهم جميعاً ،

و المودّة التي ينبغي أن

تسود علاقات بعضهم ببعض .
و أمّا الاعتداء الجسدي فعقوبته

الصريحة هي المعاملة بالمثل

، ” من افترى على مملوك عزّر . . ” و ” من جدع عبده جدعناه . . .

” . و هو مبدأ صريح الدلالة على المساواة الإنسانيّة الكاملة

بين الرقيق و السّادة ، و صريح في بيان الضمانات

التي يحيط بها حياة هذه الطائفة من البشر ـ التي

لا يخرجها وضعها العارض عن صفتها البشريّة الأصيلة ـ و هي ضمانات كاملة و وافية . تبلغ حدّاً عجيباً لم يصل إليه قطّ تشريع آخر من تشريعات الرقيق في التاريخ كلّه ، لا قبل الإسلام و لا بعده ، إذ جعل مجرّد ضرب العبد ـ في غير التأديب ـ27 مبرّراً قانونيّاً لتحرير الرقيق !!28 .
بل و رفع من مكانتهم حتى أجاز الائتمام بهم في الصلاة ـ و هي أفضل عبادات الإسلام ـ . جاء في ( قرب الإسناد ) للحميري عن الإمام الصادق عن آبائه عن علي ( عليه السَّلام ) قال : ” لابأس يؤمّ المملوك إذا كان قارئاً ” 29 .
و ليكون ذلك دليلاً على صلاحيتّهم لتصّدي

جميع المناصب الرسميّة و غير الرسمية في النظام

الإسلامي و أن لا فرق بينهم و بين الأحرار في ذات الأمر .

و هذا من المساواة في أفخم و أضخم شكلها المعقول .

و لذلك نرى الرسول ( صلى الله عليه و آله ) قد أمّر زيداً مولاه على رأس جيش فيه كبار الأنصار و المهاجرين . فلمّا قتل زيد ولّى ابنه اُسامة قيادة الجيش و فيهم أبوبكر و عمر فلم يعط الرقيق بذلك مجّرد المساواة الإنسانيّة ، بل أعطاه حقّ القيادة و الرئاسة على الأحرار . فأعطى العبيد بذلك الحق في أرفع مناصب الدولة كلّها .
و قد وصل الإسلام في حسن المعاملة وردّ الاعتبار الإنساني للرقيق إلى درجة عجيبة ، حتى و لقد آخا الرسول ( صلى الله عليه و آله ) بين بعض العبيد و بعض أكابر الأصحاب من سادة العرب ، فآخى بين بلال بن رباح و أبي رُويحة الخثعمي ، و بين مولاه زيد و عمّه حمزة 30 ، و كانت هذه المؤاخاة صلة حقيقيّة تعدل رابطة الدم و النسب .
كما و زوج بنت عمته زينب بنت جحش من مولاه زيد . و الزواج مسألة حسّاسة جدّاً و خاصّة من جانب المرأة ، فهي تأبى أن يكون زوجها دونها في الحسب و النسب و الثراء ، و تحسّ أنّ هذا يحطّ من شأنها و يغضّ من كبريائها . و لكن الرسول كان يهدف إلى معنى أسمى من كل ذلك ، و هو رفع الرقيق من الوهدة التي دفعته إليها البشريّة الظالمة ، إلى حيث مستوى أعظم سادة العرب من قريش .

كلّ ذلك هي خطوات واسعة لتحرير الرقيق روحيّاً ، بردّه إلى الإنسانيّة ، و معاملته على أنّه بشر كريم ، لا يفترق

عن السادة من حيث الأصل ، و إنّما هي ظروف عارضة حدّت من الحريّة الخارجيّة للرقيق في التعامل المباشر مع المجتمع ، و فيما عدا هذه النقطة كانت للرقيق كلّ حقوق الآدميّين .
و لكن الإسلام لم يكن ليكتفي بهذا المقدار ، لأنّ قاعدته الأساسيّة العظمى هي المساواة الكاملة بين البشر ، و هي التحرير الكامل لكلّ بشرٍ ! و كلّ الذي تقدّم كان تمهيداً للبلوغ إلى هذه الغاية ، و التي كان النبيّ ( صلى الله عليه و آله ) يترقّبها ، إمّا في حال حياته أو فيما بعد ، ترقباً غير بعيد .
قال ( صلى الله عليه و آله ) : ” مازال جبرائيل يُوصيني بالمماليك حتّى ظننت أنّه سيجعل لهم وقتاً إذا بلغوا ذلك الوقت أُعتقوا ” 31 .
و بالفعل جعل وسيلتين كبيرتين : هما العتق و الكتابة إلى التحرّر التامّ . هذا فضلاً عن رفض مطلق لأسباب الاسترقاق ـ و التي كانت متفشّية و عن طرق معادية ـ و النهب و الأسر و الإغارة الغاشمة . كان الإسلام يرفضها رفضاً باتّاً . و بذلك انسدّ ـ شرعيّاً ـ باب الاستراقاق نهائياً منذ ذلك الحين .
و يكفيك نموذجاً عن شناعة نظام الاسترقاق في العصر الجاهلي ، حادث استرقاق زيد بن حارثة الذي تبنّاه الرسول الأعظم ( صلى الله عليه و آله ) :
كانت اُمّه سُعْدى بنت ثعلبة من بني معن من طىء ، أرادت أن تزور قومها فاصطحبت ابنها زيداً و هو لم يبلغ الثمانية من عمره ، فما أن وردت القوم إلاّ و أغارت عليهم خيل بني القين ، فنهبوا و سلبوا و أسروا ، و من جملة الاُسارى زيد ، فقدموا به سوق عكاظ ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمّته خديجة بنت خويلد . فوهبته خديجة للنبيّ ( صلى الله عليه و آله ) بمكّة قبل البعثة ، و كان زيد قد بلغ الثمانية .
و كان أبوه قد وجد لفقده وجداً شديداً ، قال فيه :
بكيتُ على زيد ولم أدر ما فعل *** أحيّ يُرجّى أم أتى دونه الأجل
فوالله ما أدري و إن كُنت سائلاً *** أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل
فياليت شعري هل لك الدهر رجعة *** فحسبي من الدنيا رجوعك لي علل
تذكرنيه الشمسُ عند طلوعها *** و يعرض ذكراه إذا قارب الطفل
و اِن هبّت الأرواح هيّجن ذكره *** فياطول ما حزّني عليه و يا وجل
سأعمل نصّ العيش في الأرض جاهداًَ *** و لا أسأم التطواف أو تسأم الابل
حياتي أو تأتي عليّ منيّتي *** و كلّ امرئ فانٍ و إن غرّه الأمل
. . .إلى آخر أبيات له تنبؤك عن شديد حزنه الذي لم يزل يكابده . . .
ثمَّ إنّ اُناساً من كلب ( قوم زيد ) حجّوا فرأوا زيداً فعرفهم و عرفوه و قال لهم : أبلغوا عنّي أهلي هذه الأبيات ،

فإنّي أعلم أنّهم جزعوا عليّ فقال :
أحنّ إلى قومي و إن كنت نائياً *** فإنّي قعيد البيت عند المشاعر

فكفّوا من الوجد الذي قد شجاكم *** و لا تعملوا في الأرض نصّ الأباعر
فإنّي بحمد الله في خير أسرة *** كرامٍ معدًّ كابراً بعد كابر
فانطلق الكلبيّون فأعلموا أباه و وصفوا له موضعه و عند من هو ، فخرج حارثة و أخوه كعب لفدائه فقدما مكّة فدخلا على النبيّ ( صلى الله عليه و آله ) فقالا : يا ابن عبد المطّلب ، يا ابن هاشم ، يا ابن سيّد قومه ، جئناك في ابننا عندك فامنن علينا و أحسن إلينا في فدائه ! فقال : من هو ؟ قالا : زيد بن حارثة . فدعاه و خيّره فاختار البقاء فيكنف رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) و رضيا بذلك .
و كان ( صلى الله عليه و آله ) قد عزم على تبنّيه ، فتبنّاه على ملأ من قريش ، فأصبح مولاه عن رضا نفسه 32 .

فيا ترى هل من المعقول أنّ شريعة ـ كشريعة الإسلام الداعية إلى تحرّر الإنسانية ـ تقرّر من رقّيّة مثل زيد ، بهذا

الشكل الفضيع المشجى الذي تمجّه النفوس الأبيّة فضلاً عن العقول الحكيمة !؟
كلاّ ، لايقرّره أبداً ، ما عرفنا من الإسلام دين الفطرة ، دين الإنسانية المتحرّرة ، الذي يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر ، و يحلّ لهم الطيّبات و يحرّم عليهم الخبائث و يضع عنهم إصرهم و الأغلال التى كانت عليهم 33 .
قالوا :
و هنا يخطر السؤال الحائر على الأفكار و الضمائر : إذا كان الإسلام قد خطا هذه الخطوات كلّها نحو تحرير الرقيق ،

 

و سبق بها العالم متطوعاً غير مضطرّ و لا مضغوط عليه ، فلماذا لم يَخْطُ الخطوة الحاسمة الباقية ؟ فَيُعلن في

صراحة كاملة إلغاء الرّقّ من حيث المبدأ ، و بذلك يكون قد أسدى للبشريّة خدمةً لا تقدَّر ، و يكون هو النظام الأكمل

الذي لا شبهة فيه ، و الجير حقّاً بأن يصدر عن الله الذي كرّم بني آدم ، و فضّلهم على كثير ممّن خلق ؟!34 .

قلت : ليس يخفى على ذوي اللّبّ أنّ الإسلام قد جفّف منابع الرّقّ كلّها ـ كما ذكرنا ـ فيما عدا منبعاً واحداً لم يكن

من المصلحة تجفيفه آنذاك ، و ذلك هو رقّ الحرب ، لملابسات سوف نذكرها . و عليه فقد أعلن ـ لكن في غير

صراحة ـ إلغاء نظام الرّقّ من حيث المبدأ ، و إن كان التشديد عليه بحاجة إلى توفّر شرائط لم تكن مؤاتية حينذاك ،

كما أشرنا إليه و سنشير

. و ينبغي أن ندرك حقائق اجتماعية و سيكلوجيّة و سياسيّة

أحاطت بموضوع الرّقّ ،

 أخّرت هذا الإعلان ( الصريح ) المرتقب .

و إن كان ينبغي أن ندرك أنّه تأخّر

في الواقع كثيراً جدّاً عمّا أراد له

الإسلام ، و عمّا كان يمكن أن يحدث لو سار الإسلام في طريقه الحقّ ، ولم تفسده الشهوات و الانحرافات .

يجب أن نذكر أولاً أنّ الإسلام جاء و الرّقّ نظام معترف به في جميع أنحاء العالم كما أسلفنا ، و كان إبطاله في

حاجة إلى زمن . و يكفي الإسلام على أيّ حال أن يكون هو الذي بدأ حركة التحرير في العالم ، و أنّه في الواقع

جفّف منابع الرّقّ القديمة ، لولا منبع جديد ظلّ يفيض بالرّقّ من كلّ مكان ، ولم يكن بوسع الإسلام يومئذٍ القضاء

عليه ، لأنّه لا يتعلّق به وحده ، و إنّما يتعلّق بأعدائه الذين ليس له عليهم سلطان ، ذلك هو رقّ الحرب . فقد كان

العرف السائد يومئذٍ هو استرقاق أسرى الحرب أو قتلهم . و كان هذا العرف قديماً جدّاً موغلاً في ظلمات التاريخ

يكاد يرجع إلى الإنسان الأول ، و لكنّه ظلّ ملازماً للإنسانيّة في شتّى أطوارها .

و جاء الإسلام و الناس على هذا الحال ، و وقعت بينه و بين أعدائه الحروب ، فكان الأسرى المسلمون يسترقّون

عند أعداء الإسلام ، فتُسْلَب حرّياتهم ، و يعامل الرجال منهم بالعسف و الظلم الذي كان يومئذٍ يجري على الرقيق .

و تنتهك أعراض النساء . . . عندئذٍ لم يكن في وسع الإسلام أن يطلق سراح من يقع في يده من أسرى الأعداء .

فليس من حسن السياسة أن تشجّع عدوك عليك بإطلاق أسراه ، بينما أهلك و عشيرتك و أتباع دينك يسامون

الخسف و العذاب عند هؤلاء الأعداء . و المعاملة بالمثل هنا هي أعدل قانون تستطيع استخدامه ، أو هي القانون

الوحيد .
و ممّا هو جدير بالإشارة هنا أنّ الآية الوحيدة التّي تعرّضت لأسرى الحرب : ﴿ … فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ

الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا … ﴾ 35 ،لم تذكر الاسترقاق للأسرى ، حتّى لا يكون هذا تشريعاً دائماً للبشريّة ، و إنّما ذكرت الفداء

أو إطلاق السراح بلا مقابل ، لأنّ هذا و ذاك هما القانونان الدائمان ، اللّذان يريد القرآن للبشريّة أن تقصر عليها

معاملتها للأسرى في المستقبل القريب أو البعيد . و إنّما أخذ المسلمون بمبدء الاسترقاق ، خضوعاً لضرورة قاهرة

لا فكاك منها ، و ليس خضوعاً لنصًّ في التشريع الإسلامي .

إذن فلم يلجأ الإسلام إلى هذا الطريق ، ولم يسترقّ الأسرى لمجرّد اعتباره أنّهم ناقصون في آدميّتهم . و إنّما لجأ

إلى المعاملة بالمثل فحسب ، فعلّق استرقاقه للأسرى على اتّفاق الدول المتحاربة على مبدءٍ آخر غير الاسترقاق

، ليضمن فقط ألاّ يقع الأسرى المسلمون في ذلّ الرّقّ بغير مقابل .

و مع هذا فلم يكن تقليد الإسلام الدائم هو استرقاق الأسرى ، فحيثما أمن لم يسترقّهم . و قد أطلق الرسول

بعض الأسرى بلا فداء ، كما و أخذ من نصارى نجران جزية و ردّ إليهم أسراهم ولم يعهد أنّه ( صلى الله عليه و آله )

استرقّ الأسرى ـ كما كان عليه عرف ذلك اليوم ـ و ليضرب بذلك المَثَل لما يريد أن تهتدي إليه البشريّة في

مستقبلها ، حين تتخلّص من وراثاتها الكريهة ، و تستطيع أن تستعيد إلى حظيرتها أصالتها الكريمة 36 .

السابق
معلومات عن الأحكام الشرعية الخمسة .. ماهو العمل والأحكام الشرعية الخمسة
التالي
ماهو حكم شراء السلع المدعمة من السوق السوداء مع العلم بحالها

اترك تعليقاً