تفسير سورة الضحى

تفسير سورة الضحى

تفسير سورة الضحى

تفسير سورة الضحى … أنزل الله عز وجل القرآن الكريم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ليكون معجزة للرسول أمام المشركين والكافرين وآية للمسلمين الذين يؤمنون بالله عز وجل

 

قال الإمام أحمد حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن الأسود بن قيس قال سمعت جندبا يقول اشتكى النبي فلم يقم ليلة أو ليلتين
فأتت إمرأة فقالت يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فأنزل الله عز وجل ( والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى )
رواه البخاري 4951 ومسلم 1797 والترمذي 3345 والنسائي 11681 وبن أبي حاتم وبن جرير من طرق عن الأسود بن قيس عن جندب
هو بن عبد الله البجلي ثم العلقي به وفي رواية سفيان بن عيينة عن الأسود بن قيس سمع جندبا قال أبطأ جبريل على رسول الله
فقال المشركون ودع محمدا ربه فأنزل الله تعالى ( والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى ) وقال بن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج
وعمرو بن عبد الله الأودي قالا حدثنا أبو أسامة حدثني سفيان حدثني الأسود بن قيس أنه سمع جندبا يقول رمى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بحجر في أصبعه فقال هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت قال فمكث ليلتين أو ثلاثا لا يقوم فقالت له امرأة ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت ( والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى ) والسياق لأبي سعيد قيل
إن هذه المرأة هي أم جميل امراة أبي لهب وذكر أن أصبعه عليه السلام دميت
وقوله هذا الكلام الذي اتفق أنه موزون ثابت في الصحيحين ولكن الغريب ها هنا
جعله سببا لتركه القيام ونزول هذه السورة فأما ما رواه بن جرير حدثنا بن أبي الشوارب
حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا سليمان الشيباني عن عبد الله بن شداد أن خديجة قالت للنبي
ما أرى ربك إلا قد قلاك فأنزل الله ( والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى )
وقال أيضا حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه قال أبطأ جبريل على النبي
فجزع جزعا شديدا فقالت خديجة إني أرى ربك قد قلاك مما نرى من جزعك قال فنزلت
( والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى ) إلى آخرها فإنه حديث مرسل من هذين الوجهين ولعل ذكر خديجة
ليس محفوظا أو قالته على وجه التأسف والتحزن والله أعلم وقد ذكر بعض السلف منهم بن إسحاق
أن هذه السورة هي التي أوحاها جبريل إلى رسول الله حين تبدى له في صورته التي خلقه الله عليها
ودنا إليه وتدلى منهبطا عليه وهو بالأبطح ( فأوحى إلى عبده ما أوحى ) قال قال له هذه السورة
( والضحى والليل إذا سجى ) قال العوفي عن بن عباس لما نزل على رسول الله القرآن أبطأ عنه جبريل أياما
فتغير بذلك فقال المشركون ودعه ربه وقلاه فأنزل الله ( ما ودعك ربك وما قلى ) وهذا قسم منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء
( والليل إذا سجى ) أي سكن فأظلم وادلهم قاله مجاهد وقتادة والضحاك وبن زيد وغيرهم وذلك دليل ظاهر على قدرة خالق هذا وهذا كما قال تعالى ( والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى ) وقال تعالى ( فالق الأصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم ) وقوله تعالى ( ما ودعك ربك ) أي ما تركك
( وما قلى ) أي وما أبغضك
( وللآخرة خير لك من الأولى أي ) وللدار الآخرة خير لك من هذه الدار ولهذا كان رسول الله
أزهد الناس في الدنيا وأعظمهم لها إطراحا كما هو معلوم بالضرورة من سيرته ولما خير عليه السلام في آخر عمره
بين الخلد في الدنيا إلى آخرها ثم الجنة وبين الصيرورة إلى الله عز وجل اختار ما عند الله على هذه الدنيا الدنية
قال الإمام أحمد 1391 حدثنا يزيد حدثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبد الله
هو بن مسعود قال اضطجع رسول الله على حصير فأثر في جنبه فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه
وقلت يا رسول الله ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئا فقال رسول الله ما لي وللدنيا إنما مثلي
ومثل الدنيا كراكب ظل تحت شجرة ثم راح وتركها ورواه الترمذي 2377 وبن ماجة 4109 من حديث المسعودي به وقال الترمذي حسن صحيح
وقوله تعالى ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) أي في الدار الآخرة يعطيه حتى يرضيه في أمته وفيما أعده له من الكرامة ومن جملته نهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف وطينه مسك أذفر كما سيأتي وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي عن إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر المخزومي عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال عرض على رسول الله ما هو مفتوح على أمته من بعده كنزا كنزا فسر بذلك فأنزل الله ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) فأعطاه في الجنة ألف ألف قصر

تفسير سورة الضحى

في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم رواه بن جرير وبن أبي حاتم من طريقه
وهذا إسناد صحيح إلى بن عباس ومثل هذا ما يقال إلا عن توقيف وقال السدي عن بن عباس من رضاء محمد أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار رواه بن جرير وبن أبي حاتم
وقال الحسن يعني بذلك الشفاعة وهكذا قال أبو جعفر الباقر
وقال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا معاوية بن هشام عن علي بن صالح عن يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال
قال رسول الله إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا ( ولسوف يعطيك ربك فترضى )
ثم قال تعالى يعدد نعمه على عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه ( ألم يجدك يتيما فآوى )
وذلك أن أباه توفي وهو حمل في بطن أمه وقيل بعد أن ولد عليه السلام ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر
ست سنين ثم كان في كفالة جده عبد المطلب إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين
فكفله عمه أبو طالب ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره ويوقره ويكف عنه أذى قومه
بعد أن ابتعثه الله على راس أربعين سنة من عمره هذا وأبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان
وكل ذلك بقدر الله وحسن تدبيره إلى أن توفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل فأقدم عليه سفهاء قريش
وجهالهم فاختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج كما أجرى الله سنته على الوجه الأتم الأكمل
فلما وصل إليهم آووه ونصروه وحاطوه وقاتلوا بين يديه رضي الله عنهم أجمعين وكل هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به
وقوله تعالى ( ووجدك ضالا فهدى )
كقوله ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا )
الآية ومنهم من قال أن المراد بهذا أن النبي ضل في شعاب مكة وهو صغير ثم رجع وقيل إنه ضل وهو مع عمه في طريق الشام
وكان راكبا ناقة في الليل فجاء إبليس فعدل بها عن الطريق فجاء جبريل فنفخ إبليس نفخة ذهب منها إلى الحبشة
ثم عدل بالراحلة إلى الطريق حكاهما البغوي وقوله تعالى ( ووجدك عائلا فأغنى )
أي كنت فقيرا ذا عيال فأغناك الله عمن سواه فجمع له بين مقامي الفقير الصابر والغني الشاكر
صلوات الله وسلامه عليه وقال قتادة في قوله ( ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى ) قال كانت هذه منازل رسول الله قبل
أن يبعثه الله عز وجل رواه بن جرير وبن أبي حاتم وفي الصحيحين من طريق عبد الرزاق
عن معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة قال قال رسول الله ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس وفي صحيح مسلم 1054
عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله
بما آتاه ثم قال تعالى ( فأما اليتيم فلا تقهر ) أي كما كنت يتيما فآواك الله
فلا تقهر اليتيم أي لا تذله وتنهره وتهنه ولكن أحسن إليه وتلطف به قال قتادة كن لليتيم كالأب الرحيم
( وأما السائل فلا تنهر ) أي وكما كنت ضالا فهداك الله فلا تنهر السائل في العلم المسترشد
قال بن إسحاق ( وأما السائل فلا تنهر أي وكما كنت ضالا فهداك الله فلا تنهر السائل
في العلم المسترشد قال بن إسحاق وأما السائل فلا تنهر ) أي فلا تكن جبارا ولا متكبرا ولا فحاشا ولا فظا على الضعفاء من عباد الله وقال قتادة يعني رد المسكين برحمة
ولين ( وأما بنعمة ربك فحدث ) أي وكما كنت عائلا فقيرا فأغناك الله فحدث بنعمة الله عليك كما جاء في الدعاء المأثور النبوي
واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها وأتمها علينا
وقال بن جرير حدثنا يعقوب حدثنا بن علية حدثنا سعيد بن إياس الجريري عن أبي نضرة قال كان المسلمون يرون أن من شكر النعم
أن يحدث بها وقال عبد الله بن الإمام أحمد 4278 حدثنا منصور بن أبي مزاحم
حدثنا الجراح بن مليح عن أبي عبد الرحمن عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله على المنبر من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير
ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله والتحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر والجماعة رحمة
والفرقة عذاب وإسناده ضعيف وفي الصحيحين عن أنس
أن المهاجرين قالوا يا رسول الله ذهب الأنصار بالأجر كله قال لا ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم
وقال أبو داود 4811 حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد عن
أبي هريرة عن النبي قال لا يشكر الله من لا يشكر الناس
ورواه الترمذي 1954 عن أحمد بن محمد عن بن المبارك عن الربيع بن مسلم

وقال صحيح وقال أبو داود 4814 حدثنا عبد الله بن الجراح حدثنا جرير عن الأعمش
عن أبي سفيان عن جابر عن النبي قال من أبلى بلاء فذكره فقد شكره ومن كتمه فقد كفره تفرد به
أبو داود وقال أبو داود حدثنا مسدد حدثنا بشر حدثنا عمارة بن غزية حدثني رجل من قومي
عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أعطي عطاء
فوجد فليجز به فإن لم يجد فليثن به
فمن أثنى به فقد شكره ومن كتمه فقد كفره قال أبو داود ورواه
يحيى بن أيوب عن عمارة بن غزية عن شرحبيل عن جابر كرهوه فلم يسموه تفرد به أبو داود
وقال مجاهد يعني النبوة التي أعطاك ربك وفي رواية عنه القرآن وقال ليث عن رجل عن الحسن بن علي
( وأما بنعمة ربك فحدث ) قال ما عملت من خير فحدث إخوانك
وقال محمد بن إسحاق ما جاءك من الله من نعمة
وكرامة من النبوة فحدث بها واذكرها
وادع إليها قال فجعل رسول الله يذكر ما أنعم الله به عليه من النبوة سرا
إلى من يطمئن إليه من أهله وافترضت عليه الصلاة فصلى

السابق
تفسير أول سورة البقرة
التالي
تفسير سورة العصر

اترك تعليقاً